محمد طاهر الكردي

312

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

إذا أداروا رأسه نحو الشام أو نحو اليمن أو نحو الشرق نهض ومضى مهرولا ، فإذا أداروا رأسه نحو مكة برك ولم يتقدم أمامه إصبعا ، ونحن ننظر إلى هذا وقد ملأنا العجب ، وأخذ الدهش من نفوسنا كل مأخذ ، وبدأ الخوف يلعب بقلوبنا ، وبدأ الذعر يطلق بعض الألسنة بالرغبة عن دخول المدينة والانصراف عن هذا البيت ، وإنا لفي ذلك ننظر إلى الساسة وهم يعالجون الفيل ، وإذا الجو يظلم شيئا فشيئا ، وإذا سحاب كثيف يبدو لنا من بعيد ، قد أقبل إلينا مسرعا من ناحية البحر ، فلا نكاد نطيل النظر إليه حتى نتبين ، ويا هول ما نتبين ، لسنا نرى سحابا كالسحاب ، ولا غماما كالغمام ، وإنما نرى سحابا حيا يخفق بأجنحته خفقا ، ويبعث منظره في نفوسنا روعا يخرجنا عن أطوارنا وينتهي بنا إلى شيء يشبه الذهول . إني لأرى الآن السحاب حين كان يقبل علينا أسرابا من طير صغار ، لها مناقير الطير وأكف الكلاب ، حتى إذا دنت منا أخذت تحصب الجيش بحجارة دقاق كانت تحملها في مناقيرها وأرجلها . ولم تكن هذه الحجارة تبلغ دقة العدسة ولا عظم الحمصة ، وإنما كانت شيئا بين بين ، وكانت على دقتها لا تمس شيئا إلا هشمته تهشيما ، ولا تمس رجلا إلا ألقته صريعا وسلوا ما شئتم عن خوف الخائفين وذعر المذعورين وانصراف أصحاب الفيل عن الفيل ، وتحول الجيش عن مكة إلى غيرها من الوجوه جادا في الهرب ، وهذه الأسراب من الطير تتبعه ، تحصبه بهذه الحجارة وتملأ الجو من حوله بصياح مخيف . ولست أدري كيف انتهى أمرنا ، ولا كيف نجونا من هذه الطير ولكني أراني مجدا في الهرب ، ومن حولي قوم يجدون مثلي في الهرب ، وقد حملوا رجلا مريضا سئ الحال . حتى إذا انقطعت أصوات الطير ، ونظرنا فلم نر في السماء شيئا ، أخذت أسأل عن نفسي وعمن حولي وعن الجيش ، وأخذت أسأل عن هذا المريض الذي أراه محمولا يتأذى ، فإذا هو أبرهة ، قد مسه حجر من تلك الحجارة فصرع ، وظهر على جسمه بلاء عظيم ، وأخذت أجزاء جسمه تتساقط قليلا قليلا ، لا يسقط جزء منها إلا تبعه صديد منكر قبيح . كم تأذى هذا الرجل أو كم احتمل من ألم في نفسه وجسمه ، وكم ذاق من مرارة الندم ولذع الحسرة واللوعة . إني لأراه حين بلغنا صنعاء ، وأدخل إلى قصره ليمرض فيه وقد هزل ومسه الضر ، حتى لكأنه فرخ من فراخ الطير . على أن حياته لم تمتد في قصره ، وإنما ألح الألم عليه إلحاحا شديدا وأقبل أحد بنيه صباح يوم فنعاه إلي ، فلما سألت كيف مات ، علمت أن صدره انفجر عن قلبه انفجارا .